‏إظهار الرسائل ذات التسميات اراء الشعراء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اراء الشعراء. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 28 يونيو 2012

نقد وتحليل الشاعر يوسف أحمد أبو ريدة

المطر
سمعتُ كمنجات المطر
انخذت حواسك رحلة
دون خريطة
كم أحبّ المكوث هناك
أخطو لأخرج من دم الواقع
وأستنكر مواجهات الدقائق
التي تود إعادتي لروتين الزمن
الباهت
أما صوت الشاعرة فليس أقل من صوت كمنجات المطر التي تكسر العادي المكرور في مشهد الصورة الحسية بجانبها السمعي الذي أكتب فيه عن ديوانها خطوات أنثى ….وصوت الكمنجات المنتظم الذي ينظم في ثناياه انهمار المطر … لا يكسر الروتين والصمت فحسب بل يكسر من حدة الروتين في تناول القصائد الموقعة بوزن تستطيعه معالي لكنها لا تريده لنصوصها ..
لم تأت كلمات ” حواسك” و” خريطة ” اعتباطا في نصوص معالي، بل جاءت ذات بعد استرتيجي في إنتاجها الأدبي كله … فهي سيدة التعامل مع الصور الممتدة عبر الحواس اللمسية والسميعة والبصرية .. الخ…
وما دموية الواقع بلونها الأحمر بخارجة من هذه الدائرة الحسية وإن كنا نركض فيها خلف كنايات ودلالات الدموية التي توحي بالقتل … لكنها تبقى ضمن خانة الصورة اللونية التي تتقن معالي نظم مكوناتها لتكون مشهدا فنيا ساحرا…. وما اختيارها لكلمة الباهت إلا ضمن هذا الإطار الجمالي الذي اختطته أميرة الكلمات المقمرة في أعمالها الأدبية .
في الفضاء الزماني الذي ترسمه معالي في الأسطر ثمة شيء مبهر : هو كلمات متواشجة تشكل مع بعضها ملمحا زمانيا تكاد تصنعه هي :رحلة – المكوث والخروج- الدقائق- روتين الزمن الباهت ….
وإذا كان الزمن الباهت محكوما بروتين مقيِّدٍ للحرية، فإن معالي تخرج عليها خروجا إبداعيا تتمثل في رحلة غير محدودة بزمن ولا بجغرافيا يعرفها الناس أو يتعارفون عليها…. فالخريطة التي تدل على الأماكن والجهات قس عرف الإنسان اتخذت شكلا جديدا ولها مهمات أخرى … إذ إن الرحلة مطلقة بما فيها المادي والمعنوي.. والخريطة هي حواسّه هو، لا خريطة الناس، أي اللمس والسمع والبصر والذوق والشم، وربما أضافت الحاسة السادسة أيضا ……
وما يقوي ما أذهب إليه فضلا عن بروز ذلك في إنتاج معالي الأدبي هو العلاقة بين الفعل والفاعل في النصوص …..ومن الملاحظ أن النص يغلب عليه الأسماء وتنحصر الأفعال فيه كما يأتي:
الفعل الماضي : في النص فعلان ماضيان هما : سمع ( وفاعل ضمير المتكلم أي أنا الشاعرة) واتخذ( وفاعله أنا الشاعرة )
الفعل المضارع : في النص ثلاثة أفعال مضارعة فاعلها أنا الشاعرة (الضمير المستتر العائد عليها) في الأفعال: أحب، أخطو، أستنكر,,,,
وثمة فعل مضارع رابع فاعله غير مقطوع به – كما أرى- وذلك في فعل ” تود” في جملة :
( وأستنكر مواجهات الدقائق التي تود إعادتي لروتين الزمن الباهت ) إذ تجيز اللغة أن يكون الفاعل ضمير مستتر تقديره هي تعود على كلمة ” مواجهات” وربما يكون هذا الأرجح، لكنها لا تنفي أن تكون كلمة ” الدقائق” هي الفاعل .. أي إن الفاعل جزء من الزمن الذي تمقته أنا الشاعرة .
وعلى كل حال ترى أن عدد الأفعال في النص ستة أفعال بواقع فعلين ماضيين أي مقدار الثلث، وأربعة افعال مضارعة بواقع ثلثين…. بمعنى إن حاضر الشاعرة الذي تريده ينتصر على ماض وروتين يراد له أن يعود.
وتجد أن الفاعل في خمسة أفعال هو أنا الشاعرة، ويكون الفاعل المواجهات أو الوقت في فعل واحد أي يشكل السدس فقط…وبهذا تنتصر الشاعرة في حاضرها وفاعلية دورها على الماضي المسكون بالروتين والقيد….
النص الثاني
يا لَيل الإبقاعِ الحِسِي
رِفقاً بأُنثى لا زالتْ تتعلم طُقُوس السَهر
سأدعُوكَ لوجبةِ إسترخاءٍ وسكُون
مع كُوبٍ ساخنٍ من الحنانْ
وبعض المشاعِر
لتدلنِي على نُقطة التحلِيقِ
من هُنا إلى ما لا نهاية!!
النص هنا أبعد من المادي وأسمى من الحسي، فربما كانت بعض الألفاظ الحسية في النص موحية بالجانب الحسي إلا أن عمق النظرة يكشف عن تحليق روحي مذهل ….فالنص زمانيّ المبتدأ ، مكانيّ المنتهى، صوفي الروح والتحليق…يبدأ بالليل وينتهي بال( ما لا نهاية )….في طقوس متحولة جديدة … كأن الشاعرة تجتاز آفاق الزمان والمكان محلقة بروحانية صافية بعيدة عن إيحاءات اللغة القاصرة بالجسدية والحسية …. إذ إنني أحسب أن بعض الألفاظ الأخرى تكفّ المتأمل عن التعمق في الجانب الحسي والتوجه إلى الجانب الروحي…
طقوس التحليق روحانية مطلقة، لا اقتراب فيها من الطقوس الحسية المعروفة وإن كانت تفيد منها في تكوين جو روحاني في حضرة الإبداع والنص والقصيدة…وأول الألفاظ الدالة على هذا الكفّ كلمة تتعلم، ففي هذه الطقوس هدف آخر… غير هدف التمتع الذي يوحي به طقس مادي مشابه لكنه غير موجود هنا…. وأما كلمة طقوس فهي كلمة روحانية بامتياز ، وما انطباقها على أفعال خاصة في ديانات مختلفة يقوم بها المتعبدون إلا دليل ينفي الطقس الحسي، ويؤيد ذلك أن كلمة ” الوجبة ” التي تدخل في حقل الأكل والمجالس موحية ” بالواجب” نفسه، والواجب والوجوب روحانيان، بدليل خروج لفظ ” الوجبة ” من معناه المعجمي إلى دلالة أخرى ” وجبة استرخاء وسكون” في مقابل الإيقاع الليلي … فهو التأمل العقلاني والروحاني، وبخاصة أنه يأتي في حضرة ” كوب ساخن من حنان “… فالحنان الحسي أو الجسدي لا يصب في الأكواب الساخنة ….. إنما هي جرعات روحانية يحتاجها المحلق أو المحلقان أو المحلقون في فضاءات الروح…ولهذا جاءت بعض المشاعر لا كلها …..
وفي حضرة كلمات ” الرفق” و” الطقوس” و” السكون ” و “الحنان” و ” السكون ” و” التحليق” تكون قد تبينت ملامح الروحية البارزة في النص.
وتعود الشاعرة بتواضع لخانة التعلم في لفظ ” لتدلني”، كأنها تبحث عن دليل التحليق المتجاوز للزمان والمكان والطقوس المادية المعروفة .
حين أطلقت على معالي ” أميرة الكلمات المقمرة” كنت مستقرئا كثيرا من إنتاجها ومتأملا بصدق وعمق استراتيجيات تعاملها مع الألفاظ ونظمها في صعيد واحد تغدو من خلاله الكلمات في علائق من التواشج والتعاضد والتآلف نسجا إبداعيا فريدا ….
يكفيني أن أقف هنا … فما أجمل التحليق في فضاءات معالي الروحانية الخلابة …

الجمعة، 10 فبراير 2012

نقد وتحليل قصيدى غمزات ألمطر ألشاعر أحمد سلامة- قلنسوة

قصيدة غزلية عذبة ورقيقة .. فمنذ البداية تطالعنا
ب:( غمزات .. ) بما لها من دلالات شبقية، وإيحاءات عِشقية .. وكيف
إذا كانت أيضاً تحت المطر ..؟
حتماً ستولد قصة حب ..
هذا الحب صنعته تعابير شاعرية مرهفة وشفّافة وحالمة, وهي مزية
تتقنها معالي حتى لأصبحت من مميّزات شِعرِها ..
( ومع لمسات الريح تنسجم عروق كفّيكَ وحنيني )
هذه صورة شعرية رائعة وراقية..تشبه لوحةً فنيّةً باذخة الجمال ..
كما أنّ كلمات القصيدة تنسجم مع بعضها وتتآلف لتعطي لحناً موسيقياً ممتعاً
مما يزيد في جمالية البناء الكلّي للقصيدة
ومن جماليات هذا البناء أيضاً المحسّنات اللفظية الواردة في القصيدة :
(فصار يرددُ اسمك ويهمس أنتَ قُبلتي وقِبلتي )
فهنا جِناس غير تام وهو أسلوب بلاغي جميل، يزيد من جمال الصورة،
ويتكرر هذا الجناس في التعبير : (واغمريها كمالاً وكلاماً )
ولكنني إلى جانب هذا الجمال رأيت شيئاً من التعثُّر في نهاية القصيدة في
التعبيرين : ( لاجزء من الوقت ولا بضعٌ من التكوين )
فأنا أرى بهما بعضَ النشاز عن البناء الكلّي الجميل والمتناسق،
إلاّ أنّ التعبير ألأخير : (لاشيء سوى أنا وأنت )
عاد إلى ألإنسجام ..
وجدير بالذكر هذا الغزل الجميل في شعر معالي هو من نسج الخيال وعالم ألأحلام،
فهو معلّقٌ في سقف السماء وهو من باب الترف الفنّي .. فهو لم ينزل إلى عالم
ألأرض .. ويطهر أنّه لن ينزل..؟! *
ألكاتب:أحمد سلامة يُرَحبُ بآراء القراء سواءً في الموقع، أو إليه مباشرةً

الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

نقد الشاعر أحمد سلامة لديواني

ثمرةُ شهيّة وزهرة نديّة ذلك هو ديوان الشاعرة الواعده معالي رائف مصاروه –شاعرة الوادي وظبيته أبنة قرية عاره وهو إصدارها الاول ، ( خطوات أُنثى ) أسمتهُ ، ومن الاسم يُلاحظُ أنّ الشاعرة تركِّزُ على أُنوثتها ،فهي بها فخورة … أمّا (الخطوات ) فتتساوق مع هذه الأُنوثة … فقصائد الديوان تسيلُ عذوبة ورِقّةوأحاسيس أُنثويّة مرهفة – متأجِّجة ومتَّزِنة في آن، أدواتها في نقل أحاسيسها تراكيب شعريّة جميلة ولغة رومانسية حالمة ومعبِّرة تحلِّقُ في سماوات الخيال البعيدة ولكنّها مع ذلك مرتبطة مع واقع الحياة ، ولها قاموس لغوي وتعابير متميِّزة رسمت بها الشاعرة لها ولقصائدها نهجاً مميَّزاً حتّى أنّ القارئ يستطيع أن يتبيّنَ قصائدها من غيرها ولو كانت بدون إسم ، وهذا بحدِّ ذاته دلالة على الاجادة والتميُّز، أمّا عن مواضيع الديوان فبالإضافة إلى عاطفة الحب الَّتي تتجلّى في الكثير من قصائد الديوان هناك الطموح والأيمان بالنّجاح والنّصر الادبي والإبداع الشعري والتعويل على قيمة الكلمة وفاعليّتها حتّى لكانّ الشاعرة تعيشُ حياتها في عالم الكلمة والإبداع على حِساب حياتها العاديّة –ألًّتي هي من لحمٍ ودم فهي تقولُ في إحدى قصائدها : (إحساسها صار درساً في تاريخ الادب العذري ) ص31 الديوان .
كما ويبرزُ هذا التوجّه أكثر في أوًّل قصاد الديوان حيث تقول الشاعرة : إلى كلِّ رجل ، يتوق إلى إرتشاف خمرة أُنوثتي ، إعلم انني على ذمًًّة كتاباتي
لن أخونً قصائدي العذراء ، أوراقي معي ، لن أُسلِّمها لايّة دائرة ذكورية …
وقد ذكرنا آنفاً أنّ للشاعرة تعابيرها الشِّعرية الّتي تميز قصائدها بشكل خاص فالقارئ كثيراً ما سيصادف تعابير مثل :ريق الفجر ،أزٍِقَّة الحلم ،ندى الفجر رحيق الصّباح ، الوسائد المبللة ،ضفائر الفجر ريق القلب ، ضفائر حرير يّة . ممّا يعطي لكتابات الشاعرة معالي نكهة خاصة ومميًّزة .
وفي الختام أودُّ أن أتطرًّقَ إلى الناحية الشكلية في كتابة قصائد الديوان وإلى ما كتبه الاخ الشاعر مسلم محاميد في تقديمه للديوان ، إنّ الجدل الّذي دار ولا يزال يدور حول أنواع الشعر وتعريفه يظلُّ مدعاة لتعدد الآراء .. ولكن من المؤكد أنّ قصيدة النثر ترسّخت واثبتت جدارتها إلى جانب قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية التقليدية واصبح لها أنصارها وشُعراؤها المشهورون مثل : أدونيس وسعيد عقل ويوسف الخال وغيرهم كثيرون .
وقد حُسم الامر على مستوى العالم العربي وتبوّات قصيدة النثر مكانها إلى جانب الانماط الاخرى واعتُرفً بها كأحد الاساليب المتًّبعة في كتابة الشعر
ولم يَعُد يُقال عنها إنّ هذا ليس شعراً …
وقصائد ديوان معالي هي شعراً وهي مليئة بالشاعرية وبالالفاظ والتعابير السلسة والموسيقية إلاّ أنها تدخل في باب قصيدة النثر لافتقادها للوزن أو لوحدة التفعيلة إلاّ أن هذا لا يُضيرها .

معالي مصاروة تتهادى في خطواتها... نقد الشاعر أحمد كيوان لديواني



تطل علينا من بلدة عارة في المثلث الأشم الشاعرة الواعدة معالي مصاروة كشجرة وارفة الظلال في دوحة الشعر العربي من خلال ديوانها الأول "خطوات أنثى" مرددة بصوت جهوري واثق:
لم العجب
قصيدتي الآن قادمة من لغة الأنوثة
...
من الإحساس العميق
قادمة من الرياح الدافئة
من الأقلام المنتحرة على شفة الغلاف

والحقيقة إنني عندما تصفحت الديوان, وقرأته على عجل رأيتني اشتم في شعرها عطرا خاصا مضخما بالشذا الطيب, والأريج الفواح, لأنه يضفي بالرقة, والعذوبة, والسلاسة التي تمنح القارئ متعة ما بعدها متعة, فالكلمات تنساب رقراقة كأنها خرير ماء جاء من جدول فيه لذة للشاربين, ولا ادري لماذا تذكرت ديوان الشاعرة الكويتية المبدعة سعاد الصباح "في البدء كانت الأنثى" فربما هناك قواسم مشتركة بين الشاعرتين, أو قل توارد خواطر أهم ميزاتها الجرأة في التفكير, والتعبير, مما حدا بالكاتب والناقد العربي الكبير عبد القادر لؤلؤة أن يكتب في مجلة "الأزمنة" ذات يوم معلقا على ديوان سعاد الصباح: "تذكرني سعاد الصباح برقة شعرها, وصدق عاطفتها, وصراحة عبارتها بأول شاعرة وأهمها في تاريخ الحضارة الأوروبية وهي الشاعرة الإغريقية سافو".
فإذا كان عبد القادر لؤلؤة منصفا لسعاد الصباح, فانه من باب الإنصاف أيضا استطيع أقول أن معالي مصاروة برقة شعرها, وصدق عاطفتها, وصراحة عبارتها, وجرأة كتابتها, ومن خلال قاموسها الشعري الخاص بها, والموسيقى الندية والشجية التي تنصخ بها كل كلمة من كلماتها, نستطيع أن نرصد شاعرة واعدة, ومبدعة لها مستقبل زاهر, فالذي نلمسه من خلال حروفها المتلألئة أن هناك مخايل لا بد لها من الاكتمال لتصبح مشرقة بظهورها, وهّاجة بنسائها, رائعة في أدائها, فالشاعرة معالي ذات نفس شعري لا مجال لنسيانه, وصاحبة موهبة كبيرة لا مجال لتجاهلها, وعندها من الآمال الكبيرة التي يمكن أن تحققها في القادم من الأيام ما دامت صادقة مع النفس كما تجلّت, وواثقة بالنفس كما هو بارز في قصيدتها كلماتي:
كلما كتبت أكثر
كبرت آفاق مسافاتي
وكلما أتقنت الكتابة
عشقتها قصائدي التي
تكتب الحب في دفاتر الأيام
وتعانق العشق على شواطئ الأرض
لتكون أكثر اقترابا
ممن يسكن أحرفي
ومن يلبس حرير الشعر

والشاعرة معالي تقول لنا بصدق, وعفوية في نفس الوقت الذي ترسم بكلماتها تاجا على الشمس:
كلمات ترسم على الشمس تاجا
تعبث على الجسر الفاصل
بين الماضي والحاضر
كلمات تنام على أكتاف العشق
تحضر في الأرض قصائد
حتى تفوح رائحة ندية
كلمات اظلّل بها عين فجري
أضمها إلى صدر نهاري
واكتبها عنوانا في دفتر المساء

فتحية للشاعرة التي تطل علينا كما لو أنها بلبل يصدح فوق أيك الخمائل, أو عصفورة غريدة على شجرة باسقة تتمازج أغاريدها مع نسائم الصبح الندّية التي تأبى الاّ أن تكسر صمت نهار جديد.

الأربعاء، 28 سبتمبر 2011

نقد الاستاذ الشاعر سامي ادريس حول: هي حين تقرأ

معالي !! حين تكتب للمعالي
معالي رائف حين تكتب ، تصل الى معالي الروح والوجدان، وتثمل القارئ، فتتركه مترنحاً على أرجوحة القمر، وأرجوحة القمر هذه كانت تتأرجح منذ عام 1938  حين أصدر الشاعر صلاح لبكي  مجموعته الشعرية الذائعة "أرجوحة القمر" ، وقد كنا تعلمنا قصيدة جميلة عن تناثر أوراق الخريف التي يقول فيها ميخائيل نعيمة :

يا مرقص الشمسِ
ويا أرجوحةَ القمرْ

لكن ذلك لا يعني أن الشاعرة تقتطف من التعابير الجميلة وتزج بها في نسق قصائدها. لا ، فإن معالي توظف هذه التعابير توظيفاً جديداً عذباً وساحراً، وقد يكون لا منطقياً، ولكن من قال إن المنطق والشعر صنوان، إنهما بحران بينهما برزخ لا يبغيان.  فالشعر يسبح في بحر الخيال، وينبع من القلب، وحكايتة الصورة، حكاية أعمق ما في الإنسان، وأقدس ما فيه صلاة ترتفع من أعمق أعماقه. والحالة الشعرية، هي الحالة التي تتعطّل معها، القوى  المبرهنة، المستنتجة، المختبرة، حالة انعتاق النفس والاستسلام للأحلام والتأمل في الصور التي يبتدعها الخيال.

 إنها تغني بسحر ولوعة، وتسهر حانية على قصائدها ، وتستسلم لأحلامها. فلا يمكننا مناقشة القصيدة منطقياً، فالشاعرة تصور ميلاد القصيدة ، وعملية الإبداع، حيث " تغادر الى مقهى كلماتها... تستحضر الندى والطرب والقمر " " لتستعيد طقوس القصيدة.
ذلك لعمري هو أعذب الشعر، فالجمع بين هذه الثلاثة أعني الندى والطرب والقمر  هو في حد ذاته فتح رومانسي عظيم، فكيف يكون "استحضار" هذه  الثلاثة لاستعادة طقوس القصيدة. إن هذا لا يكون إلا  في الشعر.

ويأتي التوظيف الجديد للتعبير الشعري في قولها:


هيَ!! حينَ تَكتب
في كلِ لَيلةٍ
تَتركُ أنهاراً منَ الحُب
على أرجوحةِ القَمر
لِيغتَسلَ بها الفَجر
وَتُشرقُ شمسَ الحَنين
مُعلنةً إيقاعَ الأمل
رافِضةً
إحتضانِ الوَجع
في صَدرِ النَهار!!
وقد كان بإمكانها القول المستهلك:

تترك أنهاراً من "الدمع"
لِيغتَسلَ بها الفَجر

ولكنها اختارت الدائرة المجازية الأوسع ، والصورة التمثيلية الرائعة .
فهل رأيتم فجراً يغتسل، بأنهار من الحب... نعم رأينا مثل ذلك عند جبران خليل جبران في قصيدته الخالدة : اعطني الناي وغنِ

هل تحممت بعطر وتنشفت بنور
وشربتَ الفجر خمراً فى كؤوسٍ من أثير
هل جلست العصر مثلي بين جفنات العنب
والعناقيد تدلت كثريات الذهب
هل فرشت العشب ليلاً وتلحفت الفضاء
زاهداً في ما سيأتي ناسياً ما قد مضى



وقولها:

" وَحينما تُسافر
تُخَبئ الفَوضى بِجيوبِ الأرض
تَمحو كل غَريب
تَعتزلُ ما كان
وَتُغادرُ
إلى مَقهى كَلماتها
أسيرة في حضرةِ الصَمت"

إن الحركة التي في القصيدة ، حينما تسافر، والشاعر في سفر دائم ، في ترحال مستمر ، وتغادر .... وحينما تصل الى مقهى الكلمات تقف أسيرة في حضرة الصمت . الصمت هذا البحر الشاسع من الكلام المباح وغير المباح. وكلمة تقف تعلن انعدام الحركة،  الصمت .

لقد كان استعمال الفعل المضارع في القصيدة موفقاً:
تكتب، تترك، يغتسل، تشرق، تخبئ، تمحو، تغادر، تستحضر ، تحط، ترفرف. كلها في مخاض ميلاد القصيدة.
وكان استعمالها للفعلين : تحطُّ ، وترفرف إيذاناً بنهاية القصيدة، من عالم الطير حين يحط على الأرض بعد سفر طويل ليلتقط  أنفاسه.
ثم تأتي خاتمة القصيدة الشينية بشكل موفق مفعم بالعذوبة والرقة بترادف حرف الشين المهموس في قولها: 

وَيرتشفُ الشَوقُ ذلكَ الشَغف
المُنسدلِ من أطرافِ القَصيدة!!
وفي قصيدة أخرى تقول :
عانقت الغروب وقالت:
كن صديقيي
وضعت رأسها على صدر القمر
هذا الشعر يشهد أن معالي تغترفُ من بحر ولا تنحتُ في صخر، وتحلق في سماء الكلمات على طائر خرافي سرمدي الروح، أبدي العطاء.
ولا أحب الإطالة على القراء ، فالبقية تاتي، والصبح قريب.



ولكن لتسمح لي الشاعرة أن أهمس بالنصيحة إذ عليها الاهتمام بقواعد اللغة، مع أن ذلك لا يضير القصيدة شيئاً ، فلماذا هذه الكسرة التي تكسرت الغيورين على الضاد في كلمة " المنسدل" وفي كلمة احتضان في قولك:

رافِضةً
إحتضانِ الوَجع

وأحب أن أقول للقراء أنني أشهد ميلاد شاعرة تحمل القمر بين أصابعها، والآن أصبح الأمر أن تحثي السير الى الامام بقصائد تكون بنفس المستوى أو أعلى، لا تتعجلي الشهرة، واتركي لروحك العنان لتحلق في سماء الشعر.
وتقبلي تحياتي
أخوك سامي ادريس


الخميس، 15 سبتمبر 2011

مقال حول رأي الأستاذ الشاعر سامي إدريس بقصيدتي هَل عندك شك

قراءة في : أعذب قصائد معالي رائف ” هَل عندكَ شك ”   بقلم: سامي إدريس- الطيبة
إنها قصيدة عذبة وساحرة ، تأتيك حلاوتها وطلاوتها من فيض التعابير المجازية البلاغية التي أتقنت الشاعرة استخدامها وتوظيفها في المكان المناسب، فنكهات الشوق تتسارع، وفنجان الندى الصباحي حبره على شفاهها، كل ذلك عندما يتنهد الفجر في قارعة كلماتها. وقد كنت أراقب النتاج الشعري لهذه الشاعرة حتى طلعت علينا بهذه القصيدة فكان الشعر.
التعبير ” هل عندكَ شكٌّ ” هو تعبير جميل جدأً، رغم ركاكته ، فقد استعمله سيد الكلمات نزار قباني في قصيدته الرائعة تحت عنوان : ” هل عندكِ شك؟ ” من باب تفصيح العامية . وجمال هذا التعبير يكمن في الاستفهام الذي يفيد التأكيد، وهو ليس الاستفهام الغير حقيقي أو الإنكاري المعروف . فالمعنى الذي يتبادر الى ذهن القارئ هو أنه يجب أن لا يساورك أي نوع من الشك في
” أنَ المشاعر التي تَرقدُ
بنبضِ الياسَمين
تشتاقكَ
لِما بعدَ السَماء
وعندما يَتنهدُ الفجرُ
في قارعةِ كَلماتي
ترتعشُ مَرايا الذات
صامتة
دونَ حِراك
وتتسارعُ نكهاتُ الشوقِ
لمعانفةِ الحُب
على ضفافِ الحلم ”
هذا الفيض من المشاعر الجياشة، والتعابير البلاغية ، كتنهد الفجر، على قارعة الكلمات، وارتعاش مرايا الذات، كلها تتسارع لتصب في نهر الحب والحلم ، فعندما تقول الشاعرة ” ضفاف الحلم” يبدو لنا الحلم نهرأ، وهذه صورة رائعة تذكرني بالمواكب الجبرانية:
وما السعادةُ في الدنيا سوى شبحٍ يُرجى
فإن صار جسماً ملّه البشرُُ
كالنهر يركضُ نحو السهل مكتدحاً
حتى إذا جاءه يُبطي وينحدرُُ
وهذا الشعر هو شعر البوح المهموس الى المعشوق والى الحبيب، مما يدل على أن الشاعرة تمتلك المصداقية الشعرية فهي تعيش التجربة الشبابية بكل عنفوانها،وأ ريد أن أقول أنها تذكرني بسارة ” قولة محمود عباس العقاد” عندما أجرت معه المذيعة المصرية ليلى رستم مقابلة،وكانت فاتنة الشاشة المصرية في عصرها الذهبي، فقال لها وقد ابيض شعر لحيته : ” ذكّرتِني بسارة ”
وأقول : ألا ليت الشباب يعود يوماً فأبلغه بما فعل المشيب
وأقول إن المصداقية في الشعر شئ هام جداً ، فعلى سبيل المثال الشعر السياسي والوطني إذا لم يكن مدعوماً بتجربة شخصية، فإنه يكون متكلفاً، ومنذ زمن كنا نخاف أن نذكر كلمة فلسطين، أو وطني وما شابه ذلك ، واليوم استهلكت هذه الكلمات.
وتصل الشاعرة في سريالية البوح الى فنجان الندى الصباحي، في قمة تصويرية تبشر بميلاد شاعرة تمتلك ناصية التعبير المجازي البلاغي ، وتصول وتجول في بحر المعاني اللذيذة ذات النكهة الحسية والمعاني العذبة المحتشمة.
ألا زالَ عندكَ شك
أن فنجان النَدى الصَباحي
لا زالَ حبره
على غِلاف شفاهي
يا سَيدي
أنا صاحبةُ هذه الكَلمات
وأنت وَحي حِكايتها!!
أسمح لنفسي أن أهمس ناصحاً الشاعرة بالتروي ومراجعة القصيدة قبل دفعها الى النشر، فربما تعدل في بعض التعابير ، فالذائقة الشعرية لا تهضم القاف في قولها
وأن أبجدية الغُروب
ألتي دققَ نبضاتها القَمر
كانَت بِلا مساحيق
فالقاف من الحروف المفخمة
وكلمة ” دقق” لا يلتقطها طاؤوس الشعر ولا هدهده
وكلمة مساحيق بعيدة عن الجو العام للقصيدة
ولن أتطرق اليوم الى الوزن والعروض فالموسيقى الداخلية تدفئ القصيدة وتبعث فيها احساساً بالثمل والنشوة . وقد جاء تقسيم القصيدة الى مقطوعات موفقاً على غرار الشعر المقطوعي،مما أكسب القصيدة شاعرية وبعداً عن النثرية.
كما أنني رأيت أن الشاعرة تميل الى الانتماء الى الفن للفن والابداع للامتاع، مع التزامها بتأدية دور اجتماعي او وطني ، وليس الاقتصار على الجانب الشخصي الذاتي، إذ يمكن الجمع بين الاثنتين.
هنيئاً للشاعرة هذا العطاء المتواصل ، وهنيئاً لكم أهلنا ميلاد شاعرة تبشر بالثمار اليانعة الجنية.
وأدعو جميع الاساتذة الخوض في هذا الموضوع وتشجيع الحركة الأدبية النامية في المثلث.